الشيخ داود الأنطاكي

61

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

لك ما قلناه : من كون هذه من غير أصل الثلاثة كونها مولداً مستقلًا . وأما استحجار الجبال فبشروق الأشعة على الطين وقد تكون عمراناً تهدم وتحجر . وقد تفتت السيول على طول المدى جبالًا وتأخذها إلى البحر أو العكس ، فتتراكم ويرتفع عنها الماء إلى الهواء ، فينعكس البر بحراً والعكس . فهذه جملة الحوادث الكائنة من الأطلس إلى التخوم وكلّها قواعد لصناعة الطب ولها الدخل الأعظم في التداوي ، فان الحاذق الفطن إذا أحكم ذلك علم أن من تغلب عليه البخار لا يجوز أن يشرب من نحو العيون ؛ لأن بخارها وافر ؛ لعدم الحركة ، ولا يداوي من غلبته الصفراء بالخشكنجبين ؛ لفرط يبسه بالدخانية ، ولا يسقى الترنجبين لصاحب ريح ؛ لفرط رطوبته ، ولا يسكن مرطوب عندها ، إلى غير ذلك . وهذه علوم قد درست ورسوم قد طمست ، وانما هي نفثة مصدور معقول خاطب بها مجرد العقول . ارشاد وتقسيم اعلم أن ضروب العالم على اختلافها المعجوز عن حصره كما تعود إلى الأصول المذكورة ، كذلك يعود اختلافها في الخلق والخلق ، والألوان والبسط والحركة والزمان والمكان ، والذكورة والسنّ والصناعة ونظائرها ، ما له ذلك منها إلى المزاج . فلنقل في أحكامها قولًا كليّاً يفهم الغبي تفصيله فضلًا عن غيره ، ونبدأ بضرب مثل يرشدك إلى الاختلاف ، وهو أنك إذا أخذت من الاسفيداج « 1 » والبليلج « 2 » والزنجفر « 3 » والفحم مثلًا اجزاء فأنت بالخيار بين أن لا تدع لوناً يغلب آخر وأن تغلب ما شئت من واحد فأكثر . فهذا بعينه اختلاف حال الكائنات مع أصولها الأربع ، وإن اعتبرت أصول الأحكام والاتقان في النيء والفجّ والطبخ والقلي والشيّ والتجفيف والاحراق والصبغ والحلّ والعقد ، تم لك المراد من ضبط الوجود ، وأدق من ذلك أن تعلم أن من الأشياء ما يسهل مزجه بحيث لا يتميز ، اما لتعادل

--> ( 1 ) الاسفيداج : في المعجم الوسيط هي ( ( الاسبيداج ) ) : كربونات الرصاص ، وهو مادة بيضاء تستخدم في أعمال الطلاء . قال الأنطاكي في التذكرة : وصنعته : أن يصفح أحد الرصاصين ويطبق بالعنب المدقوق ببزره ، ويدفن في حفائر رطبة ، أو يثقب ويربط ويترك في ادنان الخل ويحكم سدّها بحيث لا يصعد البخار ، ويتعاهد ما عليه بالحك إلى أن يفرغ . ( ج 1 ، ص 109 ) . ولاحظ : ( القانون ج 1 ، ص 369 ) و ( الجامع لابن البيطار ج 1 ، ص 2 ) . ) ( 2 ) النيلنج : قال الأنطاكي في تذكرته : نيل : ويقال ( ( نيلج ) ) ، هو الوسمة والخطر والعظام ، وهو نبت هندي متفاوت الأنواع يخرج على ساق ثم يتفرع ثلاثاً بورق إلى الاستدارة وزهر إلى الغبرة ، يخلف بزراً هو القرطم الهندي ، وأجود أنواعه : الشركسي ، وهو الضارب إلى الخضرة ، فالمهجمي ، وهو الأزرق ، وباقي أنواعه دون ذلك ( ج 1 ، ص 713 714 ) . ( المفردات لابن البيطار ج 4 ، ص 487 ) . ) ( 3 ) الزُّنْجُفْرُ : معدنٌ بصَاص حاصل من ازدواج الزِّئبق بالكبريت ، ومسحوقه احمر ناصع يستعمله الكتّاب والمصوِّرون . ( المعجم الوسيط ) . ولاحظ : ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 423 ) ، و ( الجامع لابن البيطار ج 2 ، ص 487 ) ، و ( القانون ج 1 ، ص 461 ) . )